التعليم الثانويالسنة الثالثة ثانوي

مقال جدلي: هل يمكن التجريب في البيولوجيا في ظل العوائق المطروحة ؟

مقالات فلسفية 3 ثانوي للشعب العلمية بكالوريا 2020

الإشكالية الثالثة : فلسفة العلوم

عنوان المقالة : هل يمكن التجريب في البيولوجيا في ظل العوائق المطروحة ؟

الفلسفة – السنة الثالثة ثانوي للشعب التالية :

علوم تجريبية – رياضيات – تقني رياضي – تسيير و اقتصاد – لغات اجنبية

مقال جدلي حول التجريب في البيولوجيا.
السؤال: هل يمكن تطبيق المنهج التجريبي على المادة الحية ؟
المقدمة(طرح المشكلة ):
يعود الفضل الكبير في النجاح الذي حققه الباحثون في مجال المادة الجامدة و ما وصلوا إليه من دقة و موضوعية في أبحاثهم إلى إستخدامهم للمنهج التجريبي وقد أغرى هذا التطور الخلاق التي عرفته العلوم التجريبية الباحثين في ميدان المادة الحية ” البيولوجيا ” إلى تطبيق هذا المنهج على أبحاثهم بغية اللحاق بركب العلوم التجريبية و بلوغ مراتبها و تحقيق نجاح مماثل لنجاحها .إلا أن المادة الحية تختلف في خصائصها عن المادة الحية وهو الأمر الذي أثار جدلا ونقاشا بين الفلاسفة والمفكرين، فمنهم من يعتبر ” أن المادة الحية لها خصائص جد معقدة تحول دون تطبيق المنهج التجريبي عليها ” و منهم من إعتبر أن ” خصائص المادة الحية لا تشكل عائقا أمام دراستها دراسة علمية تجريبية “.
بناءا على هذا الاختلاف و الجدال الواقع بينهم فإن الإشكال الذي يمكننا طرحه هو : هل الدراسة العلمية في المادة الحية أمر متعذر ومستحيل ؟ أم يمكن تجاوز هذه العوائق و إخضاع الظاهرة الحية للتجريب ؟
العرض (محاولة حل المشكلة):
عرض منطق الأطروحة: ” لا يمكن تطبيق المنهج التجريبي على المادة الحية “
إن الدراسة العلمية في المادة الحية أمر متعذر ومستحيل، بحيث أن المادة الحية ممثلة في الإنسان والحيوان والنبات تتميز بخصائص معقدة تختلف كثيرا عن المادة الجامدة ،لذا اصطدم العلماء في تطبيقهم للمنهج التجريبي بعوائق شتى كطبيعة الموضوع ،وتصنيف الحوادث وتعميم النتائج ،وصعوبة التجريب.، وقد تبنى هذا الموقف مجموعة الفلاسفة والمفكرين ومن بينهم ، كوفيي ، لوكانت دولوي و بعض أنصار النزعة الأخلاقية وبرروا موقفهم بناءا على مجموعة الحجج :
إن المادة الحية لا تقبل الدراسة العلمية التجريبية لوجود جملة من العوائق تتمثل في طبيعة الموضوع المدروس فالبيولوجيا تدرس الكائن الحي ” الإنسان ،الحيوان ، النبات ” و هذا الكائن يتميز بالوحدة العضوية ،إذ كل جزء فيها تابع للكل فأجزاء الكائن الحي مرتبطة ببعضها وتؤلف وحدة غير قابلة للانقسام و كل محاولة لإستئصال العضو من العضوية يؤدي إلى موته و بالتالي تتغير طبيعته ،عكس المادة الجامدة التي لا تشكل أية وحدة متماسكة،إذ يمكن تفكيكها إلى أجزاء متناهية دون أن تفقد هذه المادة طبيعتها،،يقول كوفيي:”إن سائر أجسام الجسم مرتبطة فيما بينها،فهي لا تستطيع الحركة إلا بقدر ما تتحرك كلها،والرغبة في فصل جزء عن الكتلة معناه نقله إلى نظام الذوات الميتة،أي تبديل ماهيته تبديلا تاما.”
كما يقوم الكائن الحي بجملة من الوظائف الحيوية التي لا نجدها في عالم الجمادات كالتغذية ، التنفس و التكاثر فالكائن الحي يولد و ينمو و يهرم و يموت و يتحرك و يتغير عكس الجمادات التي تتمثز بالثبات و السكون مما يجعل إمكانية التنبؤ به مستحيلة يقول بيشا ” إن الحياة هي جملة الوظائف التي تقاوم الموت “.
و كذا صعوبة التجريب و التعميم فطبيعة الكائن الحي تجعل إمكانية التجريب عليه أمرا مستعصيا لأن المادة الحية تشكل كلا متماسكا يصعب عزل أحد أعضاءه وإدخاله إلى المخبر لأنه يؤدي إلى هلاكه يقول في هذا كوفيي ” إن محاولة بتر أي عضو من الجسم هي موت الجسم ” كما أن إدخال الكائن الحي إلى المخبر يؤدي إلى إضطرابه و بالتالي يحدث تشويشا في التجربة و تكون نتائجها غير دقيقة فالكائن الحي لا يكون في حالته الطبيعية إلا في محيطه الاصلي يقول في هذا لوكانت دولوي:”لا يستطيع العالم الذي حلّل المادة الحية أن يركبها بجميع عناصرها المشوشة التي قسمتها عقاقير الكيمياء”
كما أن الغاية من تطبيق المنهج التجريبي هو تعميم النتيجة المتوصل إليها لتشمل كل أفراد الجنس الواحد و هذا أمر غير ممكن في مجال المادة الحية لأن كل كائن حي فريد من نوعه و له مميزات خاصة به ، فما يصدق على فأر المختبر لا يصدق على بقية الفئران في وسطها الطبيعي .
إضافة إلى صعوبة تصنيف الحوادث فظواهر المادة الحية ليست سهلة التصنيف كما هو الشأن في ظواهر المادة الجامدة التي يتيسر فيها التمييز بين ما هو فيزيائي وما هو كيميائي وما هو فلكي،لكن هذا متعذر في المادة الحية،إذ كل كائن ينطوي على خصوصيات ينفرد بها عن غيره،وكل محاولة للتصنيف تقضي على فردية الكائن الحي، . ، وقد أثبتت التجربة التي قام بها البيولوجي أغاسي على الصدفات البحرية إستحالة التصنيف في المادة الحية حيث من مجموع27000 نسخة من الصدف الواحد لم يقف على صدفين متماثلين وفي هذا الشأن يقول لايبينتز ،”لايوجد فردان متشابهان “
كما نجد بعض الأديان تحرم عملية تشريح الجثث لأن الإنسان ذات مقدسة وله كرامة لا يعبث بها تحت أي مبرر، فمسألة الاستنساخ مثلا أثارت معارضة شديدة من قبل علماء الدين والسياسة والأخلاق ،ونجد بعض الاتجاهات السياسية والأخلاقية تدعو إلى توقيف التجارب على بعض الحيوانات رفقا بها ودفاعا عنها، و منه نستنتج أنه لا يمكن تطبيق المنهج التجريبي على المادة الحية
نـقـد ومناقشة : نقر بوجود هذه العوائق التي أخرت العلماء في الوصول إلى قوانين ،وعرقلت إلى حد ما تقدم هذا العلم ،لكن العلماء لم يقفو مكتوفي الأيدي ،بل تحدوها وقدموا بدائل رائعة في التجريب بما يوافق طبيعة المادة الحية ،وما هو مشاهد في عصرنا أن البيولوجيا بلغت مبلغا كبيرا من التقدم بسبب التطور الحاصل في حياتنا والمتمثل في وجود آلات جد متطورة مكنت الإنسان من جعل ما كان مستحيلا ممكنا كزراعة الأعضاء مثلا.
عرض نقيض الأطروحة: ” يمكن تطبيق المنهج التجريبي على المادة الحية “
إن الدراسة العلمية في البيولوجيا أمر ممكن حيث تكمن العلماء من تجاوز كل العوائق و نجحوا استخدام المنهج التجريبي في المادة الحية ويتجلى نجاح لذلك من خلال التقدم و التالق المستمر في علم البيولوجيا وقد تبنى هذا الموقف كل من كلود برنار ،باستور و يبرر هؤلاء موقفهم بالحجج و البراهين الآتية :
– إن المادة الحية لا تختلف عن المادة الجامدة فالجسم الحي مثل الجسم الجامد، لأن كلاهما يتكون من نفس العناصر الكيميائية حيث أننا نجد في تحليل الجسم الحي الأوكسجين، الكربون، الهيدروجين.الفوسفور ،الكلسيوم ،الحديد و الأملاح المعدنية و غيرها من المواد الكيميائية يقول في هذا الشأن هيزنبارغ :”إن التفاعلات الموجودة في الطبيعة ما هي إلا تلك التفاعلات التي تحدث على مستوى الجسم.”
-كما أن التطور العلمي، والتكنولوجي على مستوى وسائل الملاحظة و التجربة (كجهاز الراديو، المجهر الإلكتروني ،الإيكوغراف ، الليزر … إلخ)و كذا تطور الكيمياء الحيوية مكّن العلماء من إجراء عدة تجارب حيث أصبح من الممكن التجريب على بعض الأعضاء دون إبطال وظائفها ،ووضعها في بعض المحاليل الكيميائية ووسط صناعي ملائم ،وأصبح بالإمكان ملاحظة عمل الكائن الحي مفصولا عن الجسم دن أن يؤثر ذلك سلبا على الوحدة العضوية للكائن الحي. أما العقبات الأخلاقية و الإجتماعية فقد أصبحت أكثر تفهما .
و من الأثار الإيجابية التي تثبت نجاح تطبيق المنهج التجريبي على الظاهرة الحية هو التطور الكبير الذي حققته مختلف فروع البيولوجيا كالطب حيث نشهد اليوم عمليات جراحية ناجحة في زراعة الأعضاء، وكذا تركيب الأعضاء الاصطناعية،ولعل الاستنساخ يعبر عن أقصى ما بلغه الإنسان في نجاحه التجريبي في المادة الحية وتبعا لذلك يصرح البروفيسور كنيدي من مجموعة الهندسة البيولوجية الأمريكية : “أنه خلال عام 1984 أصبحت عمليات استبدال الأنسجة، والأعضاء المعطوبة عملية عادية، وشائعة” .كما إستطاع العلماء الكشف عن أسباب و أسرارالعديد من الأمراض و التحكم فيها كالسكري، الضغط الدموي والتحكم في السرطان في بدايته.إلى جانب النجاح الذي حققه العلماء في علم الوراثة الذي مكن من تصحيح العديد من الأخطاء الوراثيّة و التحكم في الكائن الحي و تركيبته
و يعود الفضل الكبير في تطور البيولوجيا إلى كلود برنار الذي إجتهد من أجل إخراج العلوم البيولوجية من أزمتها الى مجال الإزدهار والتقدم معتبرا ان المادة الحية يمكن دراستها تجريبيا شرط الحفاظ على خصوصيتها ، إذ يقول كلود بارنار: :” على البيولوجيا أن تعتمد على منهج العلوم الفيزيائية مع الاحتفاظ بشروط المادة الحية و قوانينها”، وقد أثبت أن المادة الحية تخضع لمبدأ الحتمية والإطراد وكل شروط و قوانين المنهج التجريبي و ذلك من خلال تجربته الشهيرة على الأرانب، حيث لاحظ وجود تغيّرعلى بول الأرانب ثم إفترض سبب هذا التغيّر و قام بعدها بتطبيق التجربة عليه وبعد تكرار التجربة عدة مرّات و على عدة حيوانات و صل إلى قانون عام هو “جميع الحيوانات آكلة العشب تخضع لحتمية أنه : إذا أخضعت للتجويع فإنها تتغذى من البروتين المدخر في جسمها”.يقول كلود برنارد “يمكننا في ظواهر الأجسام الحية على غرار ما يمكننل في ظواهر الأجسام الجامدة من معرفة الشروط التي تدبر أمر الظواهر “
و كذا تجارب “باستور” الذي صحح فكرة النشوء العفوي للجراثيم ، وأثبت أن منشؤها الهواء المحمّل بالبكتيريا ، وبفضل طريقتي التلازم في الحضور، و التلازم في الغياب استطاع أن يحارب مرض الجمرة الخبيثة الذي كان يصيب الشياه، حيث أخذ مجموعتين ونقل المرض إلى إحداهما وطعم الأخرى بلقاح مضاد مكّنها من مقاومة المرض في حين هلكت الأخرى، فطوّر بذلك فكرة التطعيم وهي طريقة فعّالة في الوقاية من الأمراض وعلاجها .
و منه نستنتج إذن أن تطبيق المنهج التجريبي في المادة الحية ممكن.
نـقـد و مناقشة: حقيقة أن البيولوجيا قد حققت تقدما هائلا بفضل تخطي العلماء للكثير من العوائق،لكن إعتبار الكائن الحي مجرد آلة ميكانيكية شبيهة بالمادة الجامدة أمر مبالغ فيه،فالعضوية قد تدخل عليها تغييرات تجعل من الصعب تفسيرها آليا،كما أنه لا زالت لحد السعة قضايا مستعصية على العلماء في دراستهم للمادة الحية .
التركيب:
يمكن التسليم بوجود العوائق التي منعت العلماء من إدراك واستخلاص كل القوانين العلمية في دراستهم للمادة الحية،لكن هذا لا يعني أن البيولوجيا ليست علما، فبفضل تطور العلم و تطور وسائل الملاحظة و التدريب ساهم في تطوير البيولوجيا وفي تجاوز الصعوبات فأصبح بإمكان إجراء تجارب على بعض الأعضاء دون الإخلال بوظائفها وتطور ذلك إلى زرع الأعضاء . كما أدى التطور إلى ظهور التخصص فظهر علم وظائف الأعضاء و علم التشريح و الباتولوجيا و التطور في علم الوراثة وعلم الأجنة فتمت دراسة الأحياء بمراعاة خصائصها و مراعاة علاقة الوظائف الحية بتكويناتها الفيزيائية الكيميائية، إذ واقعنا المعاصر يثبت أن البيولوجيا استطاعت أن تنافس العلوم الفيزيائية مثلا في دقتها وموضوعيتها.
الخاتمة (حل المشكلة ):
وبعد التحليل نستنتج ان المنهج التجريبي قد برهن انه المقياس المثالي لكل بحث يريد ان يكون علما موضوعيا ، وهو ما سمح لبعض العلوم كالمادة الحية ان تستخدمه بنوع من التكييف بما يلائم موضوعاتها ، وبفضله أصبحت البيولوجيا علما بلغ مبلغا كبيرا من التقدم بفضل الإكتشافات والإنجازات الباهرة التي يوافنا بها العلماء في حياتنا اليومية ،حتى غذت الكثير من الأمراض التي كانت مستعصية فيما مضي مجرد لعبة مشكلات بسيطة تجاوزها العلماء،وظهرت نتائج رائعة حول الظواهر الحية، أدركت ذروتها خاصة في مجال الإستنساخ وزرع ونقل الاعضاء . كلود برنار:” إن التجريب هو الوسيلة الوحيدة التي نملكها لنتطلع على طبيعة الأشياء التي هي خارجة عنا”.
الأستاذ بلعربي.

مقالات فلسفية 3 ثانوي

 

 قسم السنة الثالثة ثانوي جميع الشعب

 

تعليقات FaceBook
الوسوم
   
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق