التعليم الثانويالسنة الثالثة ثانوي

مقال جدلي: هل تعتبر التجربة المقياس الاساسي لعملية العلم؟

مقالات فلسفية 3 ثانوي للشعب العلمية بكالوريا 2020

الإشكالية الثالثة : فلسفة العلوم

عنوان المقالة : هل تعتبر التجربة المقياس الاساسي لعملية العلم؟

الفلسفة – السنة الثالثة ثانوي للشعب التالية :

علوم تجريبية – رياضيات – تقني رياضي – تسيير و اقتصاد – لغات اجنبية

نص السؤال: هل التجربة هي المقياس الوحيد لعلمية العلوم؟
إذا كانت الرياضيات من العلوم العقلية (علوم الكم) وتدرس المقادير الكمية القابلة للقياس عن طريق المنهج الاستنباطي العقلي، فإن العلوم الطبيعية بصفة عامة سواء كانت علوم المادة الجامدة أو علوم المادة الحية، فإنها لا تخرج عن نطاق الأشياء الحسية الواقعية، فهي تبتدئ منها وتنتهي إليها، لأنها تهدف إلى معرفة الظواهر الطبيعية واكتشاف عللها التي تحكمها، لذلك فهي علوم قائمة كلها على ملاحظة الحوادث الطبيعية، واستقراء الواقع، والإصغاء إليه. من هنا ظهر المنهج التجريبي الذي يقوم على خطوات وهي الملاحظة و تعني مشاهدة الظواهر ثم الفرضية وهي فكرة عقلية من اقتراح الباحث وأخيرا التجربة. ولقد ثار جدال ونقاش في الأوساط الفكرية والفلسفية حول التجربة كمقياس للعلمية، حيث ظهر اتجاهان يرى الأول منهما أن التجربة هي المقياس الأساسي الذي يجعل العلم علما، بينما يؤكد أنصار الاتجاه الثاني على أن التجربة ليست المقياس الوحيد. من هنا ولرفع التعارض والجدال بين الاتجاهين حق لنا أن نتساءل: هل الدراسة التجريبية مقياس ضروري لتحديد علمية العلم، والحكم على قيمته العلمية؟
في الواقع إن الطريقة التجريبية كمبدأ للمعرفة وكمقياس أساسي لها لم تتضح إلا بعد حدوث الانفصال بين العلم والفلسفة، واستقلال البحوث العلمية عن الدراسات الفلسفية من حيث الموضوع والمناهج، على يد رواد المنهج التجريبي أمثال: فرنسيس بيكون، ج س مل، نيوتن وغيرهم. وهذا انطلاقا من دراسة الظواهر الطبيعية والاشتغال باكتشاف الواقع المحسوس وعلاقاته القائمة باستخدام المقياس التجريبي، والابتعاد عن طرح المسائل الميتافيزيقية القائمة على الأهواء والأحكام الذاتية، باعتماد خطوات إجرائية محددة (الملاحظة، الفرضية، التجربة) وتظهر التجربة على أنها أداة التحقق والتأكيد، وسلطة الحسم والفصل في الحكم على طبيعة الدراسة، وقيمة نتائجها، وبالتالي تتحدد قيمة التجربة كمقياس مبدئي للعمل التجريبي، وكمعيار يحدد علمية العلم والشرط الضروري الذي لا بد منه، لأنها تحتل موقعا محوريا في المنهج التجريبي، وتستوعب ما يسبقها من خطوات، إذ لا معنى للملاحظة العلمية في حد ذاتها، ولا معنى للفرضية في حد ذاتها، لأن التجربة هي التي تتوج الخطوتين السابقتين باكتشاف العلاقات الثابتة بين الظواهر، وبالتالي القوانين التي تتحكم فيها. زيادة على أن التجربة بموقعها العملي، تسمح بتكرار الحوادث للتأكد منها، ووسيلة حاسمة لقياس بعض الظواهر وتسجيل علاقاتها، وفرصة لإحداث مركبات جديدة وإبداعية، والتعبير عن أكبر قدر من الموضوعية. يقول كلود برنار: “إن التجريب هو الوسيلة الوحيدة التي نملكها لنتطلع على طبيعة الأشياء التي هي خارجة عنا”. كل هذا جعل من التجربة هي مقياس العلم، والحكم الأساسي على علمية أي بحث أو دراسة، وإلحاقها بركب العلوم، وهذا ما أدى إلى اتساع مفهوم التجربة، وتنوع مجال استعمالها نتيجة تنوع ميادين البحث وحقول المعرفة التجريبية (ميدان الفيزياء، الكيمياء، البيولوجيا…) وكل هذا اقتضى الاستخدام المرن لمقياس التجربة، وجعلها تنمو وتتقولب مع طبيعة الموضوعات وخصوصياتها مع الحفاظ على الروح التجريبية كمقياس للحكم على العلمية، لهذا قال “غاستون باشلار”: “إن عمر العلم يقاس بمدى تطور الوسائل التجريبية المستعملة لاكتسابه”.
لكن وبالرغم مما قدمته التجربة من نتائج، وما أفرزته من حيوية في البحث والدراسة، إلا أنها لا تستطيع أن ترتقي إلى مستوى ضمان النتائج وإثبات اليقين فيها، لأن نتائجها تكتفي بالاحتمال المرجح والتقريبي فقط، وحتى وسائل التجربة تتغير وتتطور باستمرار، وهذا ما يتضح جليا في قول كلود برنار: “إن الاستدلال التجريبي يبقى دائما نسبيا ومؤقتا لأنه يمثل علاقات متشعبة هو ليس متيقنا من الإحاطة بها جميعا”. ومن ناحية أخرى وهذا هو الأهم: هو أن المقياس التجريبي غير متيسر (الفلك مثلا) وغير ممكن في كثير من الميادين المعرفية عند الإنسان، نتيجة اختلاف طبيعة الموضوعات وخصائصها، التي لا تتلاءم مع الروح التجريبية ومقاييسها، مما يفرض وجود مقاييس أخرى لتحديد علمية العلم وقياس قيمته. فالقول بالأخذ بالتجربة كمقياس ضروري في الدراسة العلمية، لا يعني أن للتجربة قواعد ثابتة وصارمة لا بد من إخضاع الموضوعات لها وإلا لا تتصف بالعلمية، لأن المنهج التجريبي ليس طريقة صلبة وبالتالي يمكن تليين هذه الخطوات حتى تتلاءم مع طبيعة الموضوعات.
لهذا ظهر اتجاه آخر يؤكد أنصاره أن التجربة ليست هي المقياس الأوحد والضروري لتأسيس العلم والبرهنة على شرط العلمية وقيمتها، حيث يؤكد أصحاب النزعة العقلية أن العقل هو الذي يؤسس العلم ويعبر عن القوانين، ويفهم الحقائق، وهذا ما نجده عند ويوال الذي يقول: “إن الحوادث تتقدم إلى الفكر بدون رابطة إلى أن يجيء الفكر المبدع”، كذلك يقول بوانكاري: “نستطيع أن نسأل الطبيعة دائما لكنها لا تجيب، بل نحن نجيب بدلها”. من هنا نجد أن دراسات مناهج العلوم تؤكد أن البرهنة على الحقائق وإثبات علميتها تقبل أكثر من مقياس، بحسب طبيعة الموضوع المدروس، فالقضايا الرياضية مثلا والبرهنة عليها، تعتمد المقياس الاستنتاجي الصوري، وتحقق نتائج قمة في الدقة واليقين، وبالتالي إثبات العلمية وقيمة النتائج، بل حتى صارت العلوم التي تعتمد المقياس التجريبي تتطلع إلى استخدام الرياضيات طمعا في تحقيق الدقة، والأكثر من هذا: أنه لا علم إلا إذا عبر عن نتائجه بصيغ رياضية وتحويل الكيفيات إلى كميات. وذلك نظرا لما تحمله الرياضيات من دقة ويقين. لهذا يقول برغسون: ” العلم الحديث ابن الرياضيات”. من ناحية أخرى نجد أن الدراسة في الظواهر الاجتماعية، وكذلك المجالات الاقتصادية تتخذ لإثبات حقائقها علميا، الاستدلال الإحصائي وما يترتب عنه من نتائج موضوعية، وكل هذا يؤكد أن مقياس العلمية ليس رهين المعيار التجريبي. كما أن الباحث قد يستغني عن خطوة من الخطوات أو يؤخر بعضها عن بعض، خاصة في العلوم التي لا يمكن إقامة التجريب فيها (علم الفلك).
لكن وبالرغم مما قدمه أنصار هذا الاتجاه من أدلة إلا أنهم هم كذلك لم يسلموا من الانتقادات أهمها: أن تعدد مقاييس إثبات العلمية لا يعني الانتقاص من قيمة المقياس التجريبي وما يحققه من دقة وإبداع في النتائج، فبفضله تطور العلم وحقق نتائج باهرة في عصرنا الحالي،كما أن المقياس التجريبي يبقى المقياس الأكثر استعمالا والأوسع ميدانا بين مختلف العلوم، مما يدل على فعالية هذا المقياس ونجاعته العلمية.
نتيجة للانتقادات الموجهة لكلا الاتجاهين سواء الذين رفعوا من قيمة وشأن المقياس التجريبي وجعله المقياس الوحيد للعلمية أو المقللين من شأنه. يمكننا التوفيق بينهما بالقول أن مقياس العلمية وتحديد قيمة العلم ونتائجه ليس واحدا في جميع ميادين الدراسة العلمية، لأن طبيعة الموضوع هي التي تحدد طبيعة المقياس الذي يتلاءم معه، ويثبت حقائقه العلمية، لهذا فالمقياس التجريبي لازم وضروري كمنهج للعمل، ومبدأ للحكم على العلمية في العلوم والموضوعات التي تتناسب معه، لكنه ليس لازم في ميادين أخرى لا تتفق في طبيعتها وموضوعاتها مع النموذج التجريبي، ولكن مع ذلك لها مقاييسها التي تثبت بها علميتها. والاختلاف بين هذه المقاييس يبقى في درجة الدقة واليقين…(مع إبراز الرأي الشخصي وتبريره).
ختاما ومما سبق وكحل لهذه المشكلة المتعلقة بقيمة المقياس التجريبي ودوره في الحكم على العلمية، يمكننا القول أن المقياس التجريبي مبدأ ومعيار يتناسب مع طبيعة الظواهر الواقعية الحسية، برغم ما بينها من اختلاف، ويحدد علميتها وقيمة الدراسة فيها، لكنه ليس مقياس لازم وعام لكل ميادين وحقول المعرفة الإنسانية…..(مع توظيف الأمثلة والأقوال).
الأستاذ: يزيد سكوب

مقالات فلسفية 3 ثانوي

 

 قسم السنة الثالثة ثانوي جميع الشعب

 

تعليقات FaceBook
   
زر الذهاب إلى الأعلى